"مسرحية " لَيلةُ الحَجَّاج الأخيرة

PDF طباعة إرسال إلى صديق

kalaji

الشخصيات : - الحجاج  - الحاجب - الزائر - عبد الله بن عمر - أسماء بنت أبي بكر - محمد بن الحجاج - ليلى الاخيلية - المُتلمْس - سعيد بن جبير - رجال وامرأة صامتون في المشاهد الخلفية  

(خشبة المسرح قسمان: القسم الخلفي تفصله عن الأمامي ستارة من القماش الشفاف  يبرز عند الإضاءة، وعلى الجدار قبعة جنرال معلقة وبضعة رؤوس تتوامض . يستعمل هذا القسم لتقديم المشاهد التعبيرية. 

القسم الثاني الأمامي وهو الرئيسي ويحتل معظم مساحة الخشبة، ويمثل قاعة في قصر الأمير الحجاج حاكم العراقين بمدينة واسط، والديكور ليس واقعياً بالضرورة وإنما تمازجه لمسات تعبيرية ورمزية. ثمة نافذة تطل على أنوار المدينة، وعلى الجدران رؤوس مقطوعة تتوامض وتختفي وتشكل مع بضعة رؤوس في القسم الخلفي مجموعة واحدة. في الركن أريكة ينام عليها، وفي صدر القاعة عرش فخم يُرقى إليه بدرجات.
 الأمير وقد اشتد عليه المرض وجفاه النوم، يهرش جسمه بأظفاره من الحك، ينهض بصعوبة من فوق الأريكة ويتوكأ على عصا ويتجه نحو النافذة وينظر إلى المدينة. الإضاءة خفيفة)
الأمير
:
كل شيء يغرق في بحر الليل: المدينة، والناس، والأيام العاصفة التي مرت بي كومضة برق. ما أروع الظلام، ليتني أستطيع إيقاف بزوغ الفجر. (يتألم) نسر العراقين لا يستطيع تحريك جناحيه اليوم، اللعنة على النقرس وهذه الأورام التي تلهب دماغي (يتجه نحو العرش ولا يستطيع الصعود إليه) حتى العرش لم أعد أستطيع الجلوس عليه. يا لَتلك الأيام بحلوها ومرها..! أوراق العمر تتساقط وتجرفها الرياح العاتية نحو البحر. وهذا النسر الذي ظل يصيد الطيور الضعيفة، لا يسعه فضاء الأرض فيركبه جنون العظمة ويحلق عالياً، يعلو ويعلو، ليصيد النجوم في السماء، ثم تنطفئ فيه ذبالة فيهوي على السفح جيفة نتنة.. كم يتأخر الإنسان ليدرك بعد فوات الأوان أنه خلق ضعيفاً (صمت) ما أحوجني الآن إلى سامر يخفف من وحدتي وآلامي (ينادي) أيها الحاجب.. (صمت، يحك جسمه،  يبعد بمذبة بعوضاً متوهماً عن وجهه) اللعنة على هذا البعوض ، صار يقتات من دمي . (ينادي) أيها الحاجب، يا عبيدة، أين أنت يا ابن العاهرة. حتى الحاجب صار يتباطأ في الدخول عليّ.


الحاجب

:

(يدخل) أمر مولاي الأمير.
الأمير
:
من بالباب من الأدباء والشعراء؟
الحاجب
:
لا  أحد يا مولاي.
الأمير
:
ألا يوجد أحد من الفقهاء أو الأصحاب؟
الحاجب
:
لا أحد يا سيدي.
الأمير
:
ومِن العامة؟
الحاجب
:
لا أحد.
الأمير
:
ما بال الناس؟ كانوا ينتظرون أمام بابي أياماً ليدخلوا علي.
الحاجب
:
 لا أحد ينتظر الليلة أيها الأمير.
الأمير
:
اذهب إلى الشارع وأحضر لي أي رجل تقابله.
الحاجب
:
الشارع خالٍ تماماً، والناس منذ أن اشتد بك المرض يتحاشون المرور أمام القصر.
الأمير
:
ولماذا؟ هل أنا الطاعون؟(بعد صمت) هل وردتني كتب من أمير المؤمنين الوليد في دمشق؟
الحاجب
:
لم يرد شيء.
الأمير
:
هل تركت النوافذ مفتوحة أمس؟ البعوض يملأ القاعة.
الحاجب
:
النوافذ مغلقة بإحكام، ولا يوجد بعوض يا سيدي. القصر خال تماماً من الذباب والبعوض.
الأمير
:
 ولكنه ينهش جسدي ويمتص دمي.
الحاجب
:
أنت واهم. إنها مجرد خيالات مريض، لعلها الحمّى.
الأمير
:
انصرف ، قبحك الله. (الحاجب يخرج)


(تتلاشى الإضاءة، وتتوامض بالتتالي الرؤوس المقطوعة ويصدر عنها أصوات متداخلة، الصوت تسجيلي)
رأس 1
:
كان عشاؤه دسماً.
رأس 2
:
لحقته الأَكِلة، ومعدته تنزف دماً وقيحاً.
رأس 6
:
انظر، أصابته الحكة، وأصبح مفرداً كالبعير الأجرب.
رأس 4
:
أنتن فمه، والدود يزحف ويخرج من تحت جلده.
رأس 3
:
الليلة يرحلُ وحيداً.
رأس 4
:
يرحل عارياً إلا من ذنوبه.
رأس 3
:
إن كان له حسنات فهي مغمورة في ذنوبه.
رأس 1
:
أية حسنات!؟ كان ظلوماً، جباراً خبيثاً سفاكاً للدماء، كان سفاحاً مبيراً.
رأس 3
:
ولكنه كان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهاء، وفصاحة وبلاغة.
رأس 4
:
شجاعة في القتل، وإقدام في المجازر. وفصاحة في الباطل.
رأس 6
:
سمعت رسول الله يقول: يخرج من ثقيف رجلان: الكذّاب والمبير*.
رأس1
:
أما الكذاب فهو المختار الثقفي وقد عرفناه، أما المبير فهو الذي أمامكم.
رأس 5
:
مِن معلم صبيان في الطائف إلى شرطي في دمشق عند روح بن زنباع إلى أمير يحكم نصف المملكة.
رأس2
:
وعلى الطريق الطويلة يسير ويرتقي فوق الجماجم.
رأس 3
:
حذّاء الموت.. يصنع للموت أحذية من جلود البشر.
رأس 2
:
الليلة يخلع حذاءه ويرحل.. يرحل بعيداً.
رأس 5
:
بلا عمامة ولا سيف ولا صولجان..عارياً يرحل.
رأس 6
:
يرحل المبير بلا توبة تواري سوأته.
(يختفي توامض الرؤوس. بقعة ضوء على الأمير)
الأمير
:
(يضع كفيه على أذنيه ليمنع سماع الأصوات) ما لهذه الأصوات التي تقرع أذنيّ وتصفعني بالذنوب والتوبة. اللهم إن كنت مسيئاً فليست هذه ساعة التوبة، وإن كنت محسناً فليست ساعة الفزع.


(ضوء على شخصية الزائر الذي يظهر فجأة ، ويبدو أنه لم يستعمل الباب أو النافذة في الدخول)
الزائر
:
حتى الصالحون في مثل هذه الساعة يلجؤون إلى التوبة.
الأمير
:
(يلتفت نحوه) من أنت؟ وكيف دخلت؟ (ينادي) أيها الحاجب.
الزائر
:
دع الحاجب وشأنه، لا علاقة له في الأمر. كنت تشعر بالوحدة وتطلب سامراً فجئتك.
الأمير
:
قال لي الحاجب أن لا أحد في الباب.
الزائر
:
هو صادق، لا أحد في الباب.
الأمير
:
وأنت؟
الزائر
:
أنا كل شيء ، وأنا لا أحد. أَدخل بلا استئذان، ولا أعبر من باب ولا نافذة.
الأمير
:
هل المرض يجسد لي خيالات زائفة، أم أنني نائم وأحلم، لا شك بأنك مجرد وهم ( يغلق عينيه بكفيه ويفتحهما ثانية)
الزائر
:
(يبتسم) أرأيت..؟ أنا حقيقة الحقائق. (يجلس على العرش)
الأمير
:
تقتحم عليَّ داري، وتدخل بلا استئذان ثم تجلس على عرشي !؟
الزائر
:
تجلس الملوك على عروشها وأكون معهم على العرش ولكنهم لا يرونني، أهمس في آذانهم: كل مجد زائل، ولكنهم لا يسمعونني، ثم ينزلون عن عروشهم وأبقى أنا.. (يضحك ساخراً ويذكره بقوله)
 أنا ابن جلا وطلاّعُ الثنايا      متى أضعِ العمامة تعرفوني*
الأمير
:
هل تسخر من أمير العراق؟ (يستل سيفه)
الزائر
:
مهلاً.. إذا كنت تستطيع أن تطعن حزمة من النور بسيفك فإنك تستطيع أن تقتلني.
الأمير
:
(صمت، يغمد سيفه) ما اسمك أيها الغريب؟
الزائر
:
وماذا يفيدك اسمي؟ أنا مجرد زائر عابر، كنت قبلك مع نمرود وفرعون وكسرى ونيرون ، وكل ملوك الأرض، وكنت مع العامة والخاصة، الفقراء والأغنياء، الضعفاء والأقوياء، جئتهم زائراً ولم يسألني أحد عن اسمي، دع الأسماء فأنت تعرفني جيداً وأنا أعرفك، ولنتبادل بعض الأحاديث التي تشحذ الذاكرة.
الأمير
:
وهل بقي مني غيرُ هذه الذاكرة وجسمٌ عليل يتشهى الموت ولا سبيل إليه.
الزائر
:
عد إلى ذاكرتك لأسألك عن شهوة تتحول إلى لذة، ولذة تتحول إلى حياة وموت.
الأمير
:
بدأ الأمر حين كنت معلم صبيان في الطائف أعلمهم القرآن والحديث وأمور الفقه، ثم ضقت بعملي ورَكِبتني شهوة الحكم، بَدَأَتْ طُموحاً ثم تحولَت إلى شهوة.
الزائر
:
شهوة الحكم تتحول إلى شهوة السلطة، وشهوة السلطة تلد شهوات: شهوة الدم ، وشهوة الطغيان، وشهوة المال، وشهوة النساء.
الأمير
:
ما كان لي بالمال ولا بالنساء حاجة.
الزائر
:
وما حاجة الأمير إلى المال إن كان يملك الناسَ وحياتَهم وأموالهَم، يتلذذ بالتصرف بها كما يشاء. وهكذا تتحول الشهوة إلى لذة: كل حكم بالموت يمنحه لذة، وكل أمر بالسجن يعطيه لذة، وسياسة التجويع وشراء الضمائر حراكها اللذة، وشن الحروب دافعها اللذة، وتتراكم هذه اللذاذات فيظن أن ما يحصده من سنابل الأرواح يضاف إلى إهراء عمره، ويعتقد أنه الحي الذي لا يموت، ويرسم أن يكون هو وأبناؤه ورثةَ الله في أرضه، فإذا جاءه زائر الحقِّ صعق، ورأى أنَّ كل ما جناه كنثارة ثلج تحت شمس تموز، وأنَّ كل ما مَلَك من مجد وحياة وسلطان لا يعدل هصرة واحدة من هصرات الموت.
الأمير
:
هل جئت تزورني أم تتهمني، قل لي ماذا تريد مني؟
الزائر
:
أنا لا أتحدث عنك خاصة، وإنما هي شهوة الحديث مع الراحلين. (يخرج من جيبه رقاقة صغيرة كرقاقة حاسوب صغير) انظر هذه الرقاقة، إنها تختزن تاريخ العالم منذ أن بدأ وحتى ينتهي.
الأمير
:
ما لي وهذه الرقاقة؟
الزائر
:
إنها تخصك أيضاً، إنها موجودة في داخلك، وأنت في هذه الرقاقة ذرة رمل في صحراء مترامية لا حدود لها، وبلمسة صغيرة فإنها تعرض مشاهد وصوراً، من أزمنة وأمكنة كانت أو ستكون، للذين أزورهم قبل أن يسلموني الأمانة. سأضعها هنا (يعلقها على صدره) حين تتوامض فإنها تقطع الشك باليقين.
الأمير
:
الأمانة !؟ لقد أديت الحقوق إلى أصحابها وليس لأحد من شيء عندي.
الزائر
:
إلاّ هذه العارية التي استعرتها ، ولولاها لما كان لك وجود، ولما صرت أميراً، لولاها كنت عدماً.
الأمير
:
عن أية أمانة وأية عارية تتحدث؟ ومن صاحبها؟
الزائر
:
ستعرف بعد قليل، حين تحين ساعة استردادها. دعنا نتابع الحديث.
الأمير
:
وعمَّ نتحدث؟
الزائر
:
(ينزل عن العرش) في أي موضوع شئت يخصك (صمت) فلنبدأ برميك الكعبة بالمنجنيقات.
الأمير
:
لست أنا الذي هدم الكعبة وإنما هو عدو الله ابن الزبير لأنه التجأ إليها ونحن في حرب معه، وكان قد رماها قبلي الحصين بن نمير في عهد يزيد، ثم قام ابن الزبير بهدمها وإعادة بنائها وزاد فيها عمارة ومساحة مما لم يكن في عهد الرسول. أما أنا فقد أعدت بناءها إلى ما كانت عليه.
الزائر
:
الناس لا يذكرون غيرك. أنت الذي هدمتها بالقصف.
الأمير
:
كنا نصنع التاريخ، ونثبت أركان الدولة، لقد بنينا دولة عصرية حديثة، ثم جاء بعدنا من يكذب علينا ويحمِّلنا ما لم نفعل. كانت الكعبة متداعية، عمارتها ضعيفة من حجر وخشب، حتى إن الحَمام ليقع عليها فتتناثر حجارتها. لو أن بيت أحدنا تداعى ألا يصونه ويعيد بناءه ؟ أنا ما جئت أحارب الكعبة كما فعل أبرهة وإنما جئت أحارب ابن الزبير الخارج عن طاعة الأمة والسلطان.
الزائر
:
وهل طاعة السلطان واجبة في معصيةٍ أو ظلم.
الأمير
:
وكيف يعصي الله وقد اصطفاه الله للملك، فله الحق الإلهي. وله على الناس الطاعة المطلقة. إنما هو الجبر، فالناس ليسوا مخيّرين، وما كنت إلا سيفَ هذا الحق الإلهي.
الزائر
:
أليس في ذلك تأليه للحاكم، وحاكمية الفرعون.
الأمير
:
إنما هي طاعة أولي الأمر.


*   *   *


مشهد خلفي
(تتوامض البطاقة فيضاء القسم الخلفي، صورة معاصرة لرتل من النساء الصبايا والعجائز والشيوخ والأطفال يعبرون المسرح في صمت ويعلقون في أعناقهم صور أقربائهم المفقودين والمخطوفين، يرافق المشهد موسيقى معبرة عن الحزن والألم. يخرجون ويظلم القسم الخلقي وينار الأمامي)


*   *   *
الأمير
:
أية صور تتراءى لي؟ ومن أي عصر جاء هؤلاء الناس؟ يا لهذه الليلة!
الزائر
:
لقد جاء قوم من بعدك يا حجاج ساروا على سنتك وسنن سادتك، استعاروا صفة الحق "لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون" واخترعوا لأنفسهم ألقاباً مثل الزعيم الأوحد، والمنقذ الأعظم، والمعلم الأول، والقائد الملهم، ومبعوث العناية الإلهية، وملك الملوك. ثم ولغوا في دماء شعوبهم، فركبتهم صفة الحيوانية وصار الطاغية ذئباً، وغيبوا الناس في ظلمات السجون.
الأمير
:
بالله عليك من أنت؟ هل تقبض الزمن من قرنيه، كأنك رأيتَ ما لم يره أحد، وعرفتَ كل شيء.وكنتَ بدأتَ بالحديث عن الكعبة وابن الزبير.
الزائر
:
ولا زلت مع ابن الزبير، هل اشتفيت منه عندما قتلته وصَلبته؟ لقد جئت بسُنَّةٍ لم يجئ بها أحد من قبلك وخالفت الشرع حين صلبت رجلاً في الثانية والسبعين من عمره عند الكعبة في المدينة المقدسة. هل كنت ترضى أن تكون مكانه لو أنه انتصر عليك؟
الأمير
:
إنما الحرب غالب أو مغلوب،  وكان الصَّلب أقل ما يستحقه هذا الكافر.
الزائر
:
أتنعته بالكافر وقد أجمع الناس على أنه كان تقياً ورِعاً؟
الأمير
:
كل من عارض السلطان أو خرج عليه فهو كافر. كنت أتمنى لو أنني تمكنت منه وصلبته أمام الكعبة وهو حيٌّ ، حتى تنهش النسور لحمه.
(إظلام)


*   *   *


( إضاءة خفيفة وبقعة ضوء على ابن الزبير مصلوباً وهو شيخ في الثانية والسبعين من عمره، يدخل عبد الله بن عمر، وهو شيخ في الثالثة والثمانين من عمره يتوكأ على عصا)
عبد الله
:
السلام عليك ‏ ‏أبا خبيب ‏.. ‏السلام عليك ‏ ‏أبا خبيب ‏،‏ أما عرفتني؟ أنا عبد الله بن عمر بن الخطاب، ‏أما والله لقد كنت ‏ ‏أنهاك عن هذا ، ‏،‏ ‏أما والله لقد كنت ‏ ‏أنهاك عن هذا،  أما والله ما علِمتك إلا صوّاما ‏ ‏قوّاما ‏ ‏وَصولا للرحم أما والله لأُمّة أنت أشرُّها لأمَّةُ خير. (تحت بقعة ضوء يظهر الأمير الحجاج عن بعد وهو يراقب ابن عمر ووراءه أحد جنوده وقد علّق  على كتفه القوس وكنانة السهام. عبد الله بن عمر يجلس أمام المصلوب على صخرة ويرسم بعصاه خطاً على الأرض كأنه يقسم الناس فئتين) تعلم أنني اعتزلتُ الناس حين وقع القتال بين علي ومعاوية، وها أنذا نادم على أنني لم أنصر الحق، ثم ولغوا في القتل والبغي، كم عاتبتني يا أبا خبيب في بقائي على الحياد وكنت أقول لك: كل من قال حي على الصلاة أجبته ومن قال: حي على الفلاح أجبته ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخْذِ ماله قلت: لا. (ينظر إلى المصلوب) اعذرني أبا خبيب كان الناس يضعون سيوفهم على عواتقهم يقتل بعضهم بعضاً ويقولون لي يا عبد الله أعط يدك. وأيهما أعطيت يدي تخضبت بدماء مسلم. (صمت) أرادني عثمان للقضاء فاعتذرت، وولاني عليٌّ الشام فرفضت. كنت أشم رائحة حريق آتٍ، وأرى دخان الفتنة يتصاعد فآثرت التقوى والسلامة، ثم جاء الحجاج بجوره وبغيه واستحلاله لدماء المسلمين، واليوم ما أجد في نفسي من الدنيا ، ولا أندم، إلا على أنني لم أقاتل الفئة الباغية. 
الحجاج
:
(للجندي) أوتر قوسك وارم هذا الشيخ الكافر حين ينهض بسهم مسموم في قدمه. (الجندي يأخذ سهماً معيناً من كنانته يفحصه ثم يوتر القوس).
عبد الله
:
(ينهض مغادراً)  السلام عليك أبا خبيب لقد طاب الموت لكل حرٍّ من بعدك.(ما يكاد يخطو وهو يخرج حتى يطلق الجندي السهم وراءه. إظلام وصوت صرخة في الظلام) آي.. هذا سهم من سهام ذلك السفيه المسلَّط.. ما أحسبه إلا مسموماً. 
أسماء
:
(إضاءة، تدخل أمه أسماء بنت أبي بكر وقد جاوزت الخامسة والثمانين من عمرها، تقف أمام جثة ابنها) أما آن لهذا الفارس أن يترجّل؟ (تأخذ غصناً مورقاً وتضعه عند قدمي ولدها) أتذكر يا ولدي يوم دخلتَ عليّ وقلت لي: (صوت الذكرى يمتزج مع صوتها بشكل متداخل)  يا أماه، لقد انفض الناس من حولي فما أنا فاعل؟ وقلت لك: إن كنت تعلم أنك على حق فامض إلى ما أنت فيه. وقلت لي: (صوت الذكرى يمتزج مع صوتها بشكل متداخل) والله ما خرجت إلا انتصاراً للحق وحماية للمستضعفين في الأرض، وثورة على الظالم، وأنا لست أخشى الموت، وقد جاوز عمري السبعين ، ولكنني أخشى أن يمثلوا بجثتي بعد موتي.(صمت) أتذكر ما قلت لك وقد رأيت الجزع في عينيك، أتذكر..(صوت الذكرى مع الصدى) يا ولدي إن الشاة لا يضيرها أن تسلخ بعد الذبح.
(يدخل الأمير متبختراً وهو في الثلاثين من عمره)
الأمير
:
(يضحك شامتاً) كيف رأيتني صنعتُ بعدو الله.
أسماء
:
رأيتك وقد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك.
الأمير
:
أسماء بنت أبي بكر، ذات النطاقين تتطاول على أمير الحجاز !؟
أسماء
:
تعيرني بأنني ذات النطاقين، وتعير ابني بأنه ابن ذات النطاقين.. نعم أنا والله ذات النطاقين،‏ ‏أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ‏وطعام ‏ ‏أبي بكر ،‏ وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا ‏تستغني عنه، أَمَا إن رسول الله ‏  ‏حدثنا ‏ ‏أن في ‏ ‏ثقيف ‏كذّابا ومبيراً فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا ‏ ‏إخالك ‏ ‏إلا إياه .
(ينظر إليها بغيظ فترة وهو صامت ثم يدير ظهره ويقفل راجعاً. تلاحقه أسماء بالكلمات) تذكَّر يا كليب* ما فعل جند يزيد يوم الحرّة بمدينة الرسول يوم خَلَعَت بيعةَ الفاسق، استباحوها ثلاثة أيام، قتلوا الصحابة وانتهبوا المدينة وافْتضّوا ألفَ عذراء، والظلم موصول إلى اليوم وغداً وبعد غد، وما يفلح الظالمون.
(يضع الأمير يده على مقبض السيف ويهم بتجريده من غمده ثم يقلع، تخرج أسماء فيجري خطوات وراءها ويلاحقها بالكلمات)
الأمير
:
هي رواية كاذبة، فإن صحت الرواية فما لي وما فعل غيري، انظري ما فعلته أنا، لقد دخلت مكة بجند الشام وقتلت عدو الله ابن الزبير،  وخاطبت جنودي قائلاً: إياكم أن يبلغني أن رجلاً منكم دخل بيت امرأة، فلا يكون عندي إلا السيف (يرفع صوته)  أنا الغيور بن الغيور، لا أداهن في الريبة ولا أصبر على الفاحشة.  (يخرج)
(إظلام)


*   *   *


(إضاءة. يدخل الحاجب ويخرج مرات عدة وهو يضع حاجيات ضرورية لسفر الأمير إلى الحج)
الحاجب
:
(يضع بعض الحاجيات ثم يخرج ويعود ويضع أخرى) لا أدري لِمَ يحتاج إلى كل هذه الثياب والأغراض والطعام والسيوف في السفر؟ ( يرتب بعض الأغراض)
عَزَل الخليفة عبد الملك بن مروان الحجاجَ عن الحجاز بعد أن كثرت الشكايات ضده وَولاَّه العراق، فنزل الكوفة وجمع الناس في المسجد وقال: "يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها".
 هكذا ألقى الرعب في القلوب، ومن العراق حكم اليمن والبحرين والحجاز، وبلاد السند و خراسان حتى حدود الصين، وبَنى مدينة واسط فجعلها عاصمة ملكه. (يربط بعض الأغراض ويضعها في كيس السفر) أينما حلَّ وارتحل فقدري دائماً أن أرافقه ( يلفَّ نطعاً من جلد ويربطه ويدرج معه سيفا ضخماً كالساطور ويضعه فوق الأغراض) أصرَّ على أن يأخذ معه النطع والسيف والسياف، لا يريد أن يكف عن القتل وهو في طريقه إلى الحج. (يدرج بعض الأغراض في الكيس) يقولون لا يبتغي الحج حقيقة وإنما يريد أن يقول لأهل الحجاز ها أنذا قد عدت، ويريد أن يتتبع أثر سعيد بن جبير الذي فرَّ إلى مكة.. مهما يكن ، مالي وما يقول الناس، إنما أنا خادم الأمير (يخرج)


(يدخل الحجاج ويلقى نظرة على الأغراض، ثم يقف أمام النافذة صامتاً. يدخل ابنه محمد)
الأمير
:
هذه واسط، وهناك الكوفة والبصرة، . إنه العراق، بنيته لك لَبِنة لَبِنة بالدم والحديد والنار، أريدك رجلاً صلباً يمسك زمام الأمور في غيبتي.
محمد
:
أأنت مسافر يا أبي؟
الأمير
:
نعم، أقضي فريضة الحج.
محمد
:
ولمن تترك العراق؟
الأمير
:
لك أنت، ستنوب عني في حكمه.
محمد
:
أنا ؟
الأمير
:
نعم أنت، لقد وطّدت لك الحكم هنا، واستقرت الأمور، وما عليك إلا أن تسير على خطتي ريثما أعود.
محمد
:
وبماذا توصيني؟
الأمير
:
لقد خطبت اليوم في الناس وقلت لهم: "إنني أوصى ولدي بكم بغير وصية الرسول في الأنصار، لقد أوصى الرسول بأن يَقبَل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وأنا أوصي ولدي  ألا يَقبَل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم"، وقلت لهم: "أعلم أنكم تقولون مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفكم ، تقولون لي في سركم: لا أحسن الله لك الصحابة، وأرد عليكم فأقول: لا أحسن الله عليكم الخلافة".
محمد
:
ألا تقسو عليهم يا أبي؟
الأمير
:
تعال وسأعلمك كيف تحكم. هات القرطاس والقلم . اجلس أمامي واكتب.


(الحجاج يجلس على العرش ويجلس أمامه ابنه محمد يكتب ما يملي عليه، وعلى شاشة خلفه تتوالى صور لطغاة من العالم في أزمنة ومواقف متعددة)
الأمير
:
اكتب يا محمد:
 ليس للأمير من ربٍّ غيرَ نفسه، ولا دِينٍ إلا طاعةَ مليكه، ولا فلسفة إلا القوةَ والدمَ والحزم، وله الحق الإلهي المطلق في حكم الناس والتصرف بشؤونهم وحياتهم.
 وعلى الأمير أن يمسك السيف بيد يقطع به عنق كل معارض، والدينار باليد الأخرى يشتري به ضمير كل منافق.
وعلى الأمير كي يحتفظ بعرشه أن يدمر روح المواطن، ويزرع الشك بين المرء وأخيه، والابن وأبيه، ويعوِّد الرعية على الذل والهوان، ويقضي على رؤوس القوم من الرجال وأصحاب العقول. (ينهض عن العرش ويسير خطوات)
وعلى الأمير أن يبث العيون بين الناس، فيحصي أنفاسهم، ويرقب حركاتهم، وأن يمنعهم من التجمع بحريتهم، إلا أن يجمعهم هو لخطبة يلقيها أو مسيرةٍ يوجهها.
وعلى الأمير أن يُفْقِر رعيته ويَشغل الناس بقوت يومهم لئلا يجدوا من الوقت ما يتمكنون فيه من التآمر عليه، فالرعية إن شبعت بطرت ، وإن بطرت ثارت وطمعت في الحكم.
أكتب:
إن طبيعة الشعوب الشرقية تميل إلى تأليه الحاكم، وقبول الحكم الفرد المطلق من غير شكوى أو تذمُّر، ومن خرج عن طاعة السلطان فهو كافر، ولما كان الأمير وحده خليفةَ الله على أرضه، وأن الوحي قد انقطع، فهو الشِّرعة والمشرِّع والحاكم على عباده،  فعلى الأمير أن تكون علاقته مع رعيته علاقة السيد بالعبيد، لينتظم كل شيء مع الطبيعة، وبما أن لدى العامة غريزةَ القطيع فلا بأس بأن يلهيهم بشعارات براقة يثغون بها وهم يساقون إلى المرعى أو إلى الذبح.وإذا فكر أحدهم بالخروج عن القطيع فثمة عيون جسّاسة وكلاب شرسة تحيط به، تنهش لحمه أو تعيده إلى القطيع. (يعود ويجلس على العرش)
اكتب يا غلام:
هذا كتاب الأمير وضعه الحجاج بن يوسف للولاة الذين اختارهم، ولمن جاء قبله، ولمن يجيء بعده من الولاة والحكام حتى تقوم الساعة، لينتفعوا بآرائه ويمشوا على طريقته.
(إظلام)


*   *    *


مشهد خلفي
(تتوامض البطاقة، فينار القسم الخلفي وتتركز الإضاءة على قبعة الجنرال.
صورة معاصرة لمجموعة رجال في نصف دائرة يضعون أقنعة خفافيش وذئاب وحيوانات خرافية ويلبسون عباءات سوداً يفردونها فيصيرون كالخفافيش .
 وسط الدائرة زعيمهم في ملابس الخاكي الأنيقة جداً، يضع زهرة على ياقة قميصه. وأوسمة براقة على صدره، ومسدساً على جنبه،  يمسك بفتاة سجينة في حالة زرية، يدفعها نحو أحدهم فيلفها بعباءته ويصدر عنه صوت المتعة الوحشية، ثم يرميها كخرقة بالية نحو الزعيم، الزعيم يجذبها بقوة لتقف ثم يدفعها نحو ثان فثالث. الموسيقى تتصاعد في وحشيتها من بدء المشهد حتى نهايته. يظلم القسم الخلفي) 


*   *   *


(يضاء القسم الأمامي ويكون الحجاج متمدداً على الأريكة لا يستطيع النوم من لدغ البعوض المتوهم ومن حكة جسمه).
الأمير
:
أيها الحاجب.
الحاجب
:
نعم أيها الأمير.
الأمير
:
هل أذّن الفجر.
الحاجب
:
كلا يا مولاي. لا زلنا في أول الليل.
الأمير
:
احمل المِذبَّة وأبعد البعوض عن وجهي لعلي أستطيع النوم.
الحاجب
:
(يحمل مذبة كبيرة من الريش ويبدأ بتحريكها) أصلح الله الأمير، أغمض عينيك وحاول أن تنام. 
الأمير
:
إذا نمت من يبعد عني كوابيس الأحلام.
الحاجب
:
هل أقرأ لك شيئاً يساعدك على النوم؟
الأمير
:
لا..ما أخبار قتيبة بن مسلم؟
الحاجب
:
استكمل قتيبة فتح بخارى ومدائن خوارزم، وسمرقند وفرغانة وحجندة ، وقواته الآن تزحف نحو حدود الصين.
الأمير
:
وما أخبار ابن أخي محمد بن القاسم؟
الحاجب
:
دانت له بلاد السند بعد أن تغلب على ملكها داهر وقتله في معركة مهران، وقد وصل مولتان وفتح بلاد البنجاب.
الأمير
:
اللهم إني قد جهزت هذه الجيوش للغزو في سبيلك وآمل أن تحتسبها لي في الميزان.
الحاجب
:
ألا يكفي أن أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك احتسبها لك وجعلك حاكماً على الممالك الشرقية من الحجاز والكوفة والبصرة وحتى حدود الصين؟
الأمير
:
إذا احتسبها الخليفة فقد احتسبها الله. (صمت، يتألم)  هل جاءني أحد الليلة؟
الحاجب
:
لم يجئ أحد. هل أوقظك للصلاة إذا أذّن الفجر؟
الأمير
:
آه..إنها لنسمات ناعمة (وقد بدأ يشعر بالنعاس) لا أدري ما إذا كنت سأعيش حتى أدرك صلاة الفجر . (يتابع الحاجب طرد البعوض المتوهم)
الحاجب
:
(وقد تأكد من أنه نائم) يقولون إن كثيراً من الحكام يصابون في أواخر أيامهم بداء البعوض. وأن البعوضَ أرواحٌ هائمة تدور حول القاتل تطالب بالثأر (ينظر إليه ويتأكد) حسن، لقد نام. (يخرج)


*   *   *


(بقعة ضوء على العرش وقد جلس عليه الزائر وهو يراقب النائم. الحجاج يبدو مرتاحاً في نومه يحلم ويبتسم، ثم يضحك ويستيقظ)
الأمير
:
ها.. أراك قد عدت.
الزائر
:
أنا لم أبرح مكاني هذا، ولكنك تراني تارة، ولا تراني أخرى.
الأمير
:
أيّاً كنت، حقيقة أم خيالاً يجسِّده وهمي فإنني أرتاح للحوار معك.
الزائر
:
الآن – فحسب – تؤمن بالحوار وكنت ترفض ذلك وأنت في المُلْك.
الأمير
:
لقد قلت أرتاح للحوار ولم أقل أومن به، ما الذي نفع هابيل حواره مع قابيل..لقد قُتل.
الزائر
:
ولكن الله وهو رب العالمين دعانا إلى الحوار بدلاً من السيف وأعطانا مثالاً لذلك حواره مع إبليس.
الأمير
:
ما أنا رب العالمين، لو أنني غفلت عن نفسي مرة لانتهبتني السيوف.
الزائر
:
الحوار لا يجعل المرء أو المجتمعات غافلة عن نفسها، وإنما يزيدها معرفة بالنفس وبالآخر، الحضارات لا تبنى بالسيف وإنما بالمعرفة والحوار.
الأمير
:
اسمع يا هذا، أنا لست رجل فلسفة وإنما أنا إنسان عملي، اكتسبت تجربتي وخبراتي بنفسي. وأنت بحوارك هذا أفسدت عليَّ حلمي.
الزائر
:
آسف، لم آت لأفسد عليك أحلامك، ولكني رأيتك وقد ابتسمت مرات ثلاثاً أو أربعاً في نومك ثم ضحكت.
الأمير
:
كنت أحلم.
الزائر
:
وبم حلمت؟
الأمير
:
حلمت بأعمال حسنة قمت بها وتجسدت لي في المنام. وطمأنتني على أنها ستشهد لي يوم الحساب.
الزائر
:
ومائة وعشرون ألف نفس يقولون إنك قد قطعت رقابهم علام سيشهدون !؟
الأمير
:
هذا كذب، لقد شوّه الشعوبيون صورتي الحقيقية (صمت)  يزعم الناس أن الله لن يغفر لي، ولكن ما حلمت به الليلة كان غير ذلك.
الزائر
:
حدثني عن هذه الأحلام.
الأمير
:
يعلم الجميع ، أعدائي وأصدقائي بأنني شديد التعظيم للقرآن، لا أنفك عن تلاوته في الليل والنهار، وقد كان غير منقّط وعُرْضةً للتحريف، فأمرت بتنقيطه، وقد جاءني القرآن في الحلم على هيئة شيخ جليل في جبة منقّطة وقال: سأشهد لك يا أبا محمد يوم القيامة لأنك أمرت بتنقيطي.
الزائر
:
وبم حلمت أيضاً؟
الأمير
:
حلمت ببلاد السند تلك التي فتحها ابن أخي محمد بن القاسم وقد تجسدت أمامي فتاة سمراء جميلة كأنها البدر، وقد زينت جبينها بنقطة حمراء ووضعت على رأسها وكتفيها شالاً من حرير، وراحت ترقص أمامي وتقول، سأشهد لك يوم الحساب بأنك هديتني إلى الحق والنور. (يسقط على الشاشة خلال حديثه مشهد فتاة هندية ترقص رقصاً رزيناً، ويمكن تشخيصها بشكل حي في القسم الخلفي)
الزائر
:
وبم حلمت أيضاً؟
الأمير
:
حلمت بسمرقند وقد تجسدت فتاة تقود مجموعة فتيات جئن من بلاد ما وراء النهر، من بلاد الترك إلى حدود الصين.
الزائر
:
تلك البلاد التي فتحها عاملك قتيبة بن مسلم.
الأمير
:
أجل، وقد جاءتني تلك الفتاة الرائعة ذات العيون الخنجرية وهي تحمل مع صويحباتها على رؤوسهنّ أطباقاً فيها فاكهة، ثم قدمت لي طبقها وقالت: كل يا سيدي هذه فاكهة من الجنة. (يسقط على الشاشة خلال حديثه مشهد الفتيات وعلى رؤوسهن أطباق الفاكهة، ويمكن تشخيص المشهد بشكل حي في القسم الخلفي)
الزائر
:
أتطمع في الجنة بعد كل تلك الدماء التي هَرَقْت!؟
الأمير
:
لماذا تعود دائماً إلى ذكر الدم ( بعصبية) هم هراقوا دماءهم بأيديهم، كان لابد من تأمين الاستقرار في الدولة قبل أن أجرد الجيوش للفتوحات.
الزائر
:
ثم ضحكْتَ، هل كانت شهادة أخرى لصالحك.
الأمير
:
تلك مسألة أخرى، فقد حلمت بيوم جاءتني شاعرة العرب ليلى الأخيلية سفيرة لقومها مرتين، وهي قصة تبسط علاقتي بالمرأة والكلمة المبدعة.
الزائر
:
يقال إنك متجهم مع جميع الناس، إلا يوم جاءتك ليلى الأخيلية فقد كنت معها بشوشاً ضاحكاً.
الأمير
:
هذا صحيح، وإنها لامرأة تفوق الرجال، كانت شاعرة ذكية جريئة، سفيرة لبني عامر عند الملوك. سأحدثك عن جانب من شخصيتها.
(إظلام)


*   *   *


(إضاءة، الحجاج يجلس على العرش، يدخل الحاجب)
الحاجب
:
أصلح الله الأمير، بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير الشارد.
الأمير
:
أدخلها عليّ.
الحاجب
:
ادخلي يا امرأة.
ليلى
:
(تدخل) السلام على الأمير.
الأمير
:
وعليكِ السلام، من أنتِ؟
ليلى
:
أنا ليلى الأخيلية.
الأمير
:
أهلاً بك يا ليلى. شِعْرك سبقك إلينا، يا غلام ضع لها وسادة في صدر المجلس (تجلس) ما الذي جاء بك إلينا.
ليلى
:
السلامُ على الأمير، والتعرضُ لمعروفه، والتماسُ عدله.
الأمير

وكيف تركت قومك؟
ليلى
:
انتشر الأمن، وتوقف الصراع بينهم، وقد خامرهم من خوفك ما أصلح بينهم.
الأمير
:
الخصومات بين القبائل طاقات مهدورة، وأحرى بنا أن نستفيد منها في الفتوحات ومجابهة العدوِّ في الثغور.
ليلى
:
صدقت أيها الأمير، فوالله كانت البلاد مريضة بالفتن والخصومات فشفيتَها، ألا أنشدك؟
الأمير
:
إذا شئت.
ليلى
:
أحجاجُ إن الله أعطـاك غايـةً        يُقصِّر عنها من أرادَ  مَداها
إذا هبطَ الحجاجُ أرضاً مريضـةً        تَتبَّع أقصى  دائِها  فشفاها
شفاها من الداءِ العُضال الذي بها        غلامٌ إذا هزَّ القناةَ  سقاها
الأمير
:
أحسنت القول يا ليلى، ولكن ألا قلت مكان غلامٍ همامٌ.
ليلى
:
أنت البصير بالشعر والبلاغة، ولكن ليس في قولي غلام ما يضير، ففي هذه الكلمة روح البادية وفتوّتها.
الأمير
:
قولي يا ليلى ماذا تريدين؟ فحاجتك وحاجة قومك مَقْضيَّة إن شاء الله.
ليلى
:
أيها الأمير لقد أضر بنا العريف جابي الصدقات، وقد خربت بلادنا، وانكسرت قلوبنا، فأخذ خيار المال ، وأهان الأشراف.
الأمير
:
 ما أمرناه بهذا، ولقد أساء استعمال السلطة. (للحاجب) يا عبيدة أبلغ الديوان أن يكتبوا لوالي اليمامة بعزل العريف. (إلى ليلى) علمت بأنك تريدين عين ماء تسقين منها الإبل. يا عبيدة واكتب أيضاً أن يمنحها عين ماء وليحمها لها.
الحاجب
:
أمرك أيها الأمير.
الأمير
:
حدثيني يا ليلى عن حبيبك توبة ، أعلم بأن لك الآن زوجاً وأبناء، ولكن فتاك توبة بالرغم من أنه قتل لا يزال في قلبك وعلى لسانك.
ليلى
:
آه..توبة
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حَييّـة       وأجرأَ من ليثٍ بخفّانَ حـادرِ
فنعم الفتى إن كان توبةُ فاجراً      وفوقَ الفتى إن كان ليس بفاجر
الحاجب
:
هيه.. أيتها المرأة ، إنك لتصفين هذا الرجل بشيء ما تعرفه العرب فيه. كان توبة لصّاً قاتلاّ.
ليلى
:
(للحاجب) أيها الرجل ، هل رأيت توبة قط؟
الحاجب
:
كلا  لم أره.
ليلى
:
أما والله لو رأيته لودِدت أن يكون زوجاً لكل فتاة في بيتك ، وأنها حامل منه.
(الحاجب يكبت غضبه وغيظه، والحجاج يضحك)
الأمير
:
(للحاجب) ما كانَ لكَ أن تتعرَّض لها، إنها شاعرة العرب ليلى الأخيلية، ترفع من تمدحه، وتُخمِل من تهجوه. اذهب الآن واقطع لسانها.
ليلى
:
(تنهض وتتبع الحاجب) بوركت أيها الأمير (يخرجان)
الأمير
:
(يترنم ببيت الشعر) إذا هبط الحجاج أرضاً مريضـة        تتبع أقصى  دائها  فشفاها
لله درُّ بلادها ما أشعرها. والله لقد وصَفَت فأوْجَزتْ حال البلاد عندما أتيتها (يترنم ثانية) "شفاها من الداء العضال الذي بها .." هذا ليس بمديح فحسب وإنما هو تحليلُ خبيرٍ  منصف، لقد جاءت امرأة بما لم يستطعه الشعراء من الرجال.
(فجأة ينقذف الحاجب وقد دفعته ليلى على الأرض أمام الأمير)
ليلى
:
أيها الأمير كاد هذا الغبي أن يقطع لساني، استل سكينه وقال مدي لسانك كي أقطعه كما أمر الأمير.
الأمير
:
والله لأقطعنَّ لسانك وأنقب عن قلبك، إنما قصدت أن تجزل لها الصلة يا حمار.
الحاجب
:
عفوك يا مولاي، أنا حمار فعلاً، لا أفهم البيان ولا الشعر، وإنما أفهم الأقوال بلفظها. اسْجنْ فلاناً فأسجنه، اقطعْ لسان فلان فأقطعه، اقطعْ رأس هذا الكافر فأقطعه. وما عرفت أني حمار إلا الساعة.
ليلى
:
يا أبا محمد، مادام أقر بأنه حمار فلْتعفُ عنه.
الأمير
:
انهض، أنت مدين بحياتك لهذه المرأة. (ينهض ويبتعد خائفاً) تعالي يا ليلى واجلسي بجانبي.(تجلس) لقد مال بنا الحديث إلى توبة ولم أسمع منك بقية حاجة قومك.
ليلى
:
أيها الأمير ، أصابتنا سنون مجحفة مظلمة، من كلَبِ البرد وقِلة الغيوم، هَلَك الرجال، وتمزقت العيال، وتبددت الأموال، وليس لنا إلاّك منقذ.
حجاجُ أنت الذي لا فَوقـهُ أحـد ٌ         إلا الخليفة والمستغفَـر الأحدُ
حجاجُ أنت شهابُ الحرب إن نهجَت        وأنت للناسِ نورٌ في الدجى يَقِد
الأمير
:
لماذا لم يخبرني صاحب اليمامة بما أصابكم؟ يا عبيدة، اطلب من صاحب الأرزاق أن يجهز الليلة ثلاثمائة بعير بأحمالها مؤناً وأرزاقاً ويرسلها إلى بني عامر. واكتب إلى والي اليمامة أن يرسل لي تقريراً يومياً عن أحوال الناس وحاجتهم.
الحاجب
:
أمر مولاي الأمير.
الأمير
:
ومُرْ لليلى بخمسمائة دينار، واكسها خمسة أثواب من الخز، واكتب إلى الحَكَم فليشتر لها خمسة من الإبل، وأدخلها على ابنة عمها زوجتي هند بنت أسماء وقل لها أن تحلّيها بأفخر أنواع الحلي.
الحاجب
:
سأذهب في الحال لآمر بذلك (منفرداً) خمسمائة دينار..هه..كان يجب أن أتعلم صنعة الشعر.
الأمير
:
اصدقيني القول يا ليلى، هل رأيت من توبة أمراً تكرهينه، أو سألك شيئاً يعاب؟
ليلي
:
لا والله الذي أسأله المغفرة، ما كان ذلك قط، كان يجمعنا حب سام عفيف.
الأمير
:
إذن فليرحمنا الله وإياه. ولكن ألا يغار زوجك سوار من ذكرك لتوبة.
ليلى
:
ولماذا يغار يا أبا محمد وهو يعلم أنني أصون عرضه وماله وبيته، ومن منّا الذي يملك قلبه يا أبا محمد، ألم يقل الرسول عليه السلام في عدله بين أزواجه وتفضيل القلب لعائشة" اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك".
الأمير
:
صدقت ، أما أنا فقد شغلني سيفي عن قلبي، حدثيني يا ليلى هل كان شعر توبة فيك صادقاً أم أنه مخيال شاعر، وهل كذب عليك مرة.
ليلى
:
كان صادقاً كل الصدق، ولم يكن مخيال شاعر، كان إذا رآني دمعت عيناه، وأشرق وجهه، وتسارع نبض قلبه، ثم يصمت طويلاً وهو بجانبي حتى إذا نطق أمطرني ببيان كالدر المنضود لا يعلوه إلا القرآن. وما عهدت عليه من كذب سوى كذبة واحدة، ألا أحدثك بقصتها؟
الأمير
:
حدثيني يا ليلى.
ليلى
:
كنت عائدة من الشام مع زوجي سوار فطلبت منه ونحن في الطريق أن أزور قبر توبة، فرضي مكرهاً. وعندما وقفت أمام القبر قلت : السلام عليك يا توبة، فلم يرد.
الأمير
:
(يبتسم) وكيف يرد عليك السلام وهو ميت.
ليلى
:
كان عليه أن يرد السلام، فالعشق أيها الأمير قوة أكبر من الموت والحياة.
الأمير
:
اتقي الله يا ليلى، وهل تريدين لميت أن يتكلم .  وماذا فعلت بعد هذا؟
ليلى
:
التفت إلى القافلة التي كانت معنا وقلت: أليس توبة هو القائل:
ولو أن ليلى الأخيلية سلَّمـت         عليّ  ودوني  تربـةٌ وصفائــحُ
لسلمت تسليم البشاشةِ أو زَقَا         إليها صدىً من جانب القبر صائح
ثم قلت لهم: ما باله لا يرد علي السلام.
(للأمير) لو أن العالم أيها الأمير تحكمه قوة العشق لا قوة الحرب والموت والدمار إذن لصلحت حال العباد.
الأمير
:
دعينا من لَوْ.. وأنشديني أفضل ما قلته يوم جاءك مصرع توبة.
ليلى
:
(صمت، تدمع عيناها)
لَعَمْرُك ما بالموت عارٌ على الفتى               إذا لم تُصِبه في الحياة المعايِرُ
وما أحدٌ حيٌّ وإن عاشَ سالمـاً                بأخلدَ ممن غيّبته المقابــر
وكل شباب أو جديدٍ إلى البِلى               وكل امرئٍ يوماً إلى الله صائر
وكل قرينيْ ألفة لتفـــرُّقٍ                شتاتاً، وإن ضنّا وطال التعاشر    
الأمير
:
كأني أسمع الدنيا كلها تنتحب ، لقد بكيتِ وأبكيتِ ، وما أحسب إلا أنك ترثين نفسك، وأرثي نفسي أيضاً في هذه الأبيات.
(إظلام)


*   *   *


(تتوامض الرؤوس في الظلام وتؤدي الأغنية بمصاحبة آلات النقر والإيقاع أداء موزعاً على مجموعات. يبدأ اللحن هادئاً ثم يصبح صاخباً)
الرؤوس
:
أيها البلبل
لا تغترَّ بوردة تفتحت في الحقل
فتطلق العنان لحنجرتك مغرِّداً. وتذيع السكر
فوردة واحدة
في غير أوانها
لا تعني قدوم الربيع
.   .   .
في الغابة الوارفة الظلال
تمشط الأغصان والأوراق
ضفائر الشمس الجميلة
وتسرح الأيائل في الأودية
وتقفز الأرانب والشياه
وتصدح الطيور بالغناء
تثرثر الغدران والجداول
ويعزف الراعي على مزماره لحن الحياة
وعندما يعلو زئير الأسد المخيف
في الغابة اللاهية المعطاء
يصمت كل شيء
يظلم كل شيء
وعلى قميص الغابة البكر النضير
خيط من الدماء
ينداح في الدروب.
.   .   .
يحكى أن .. ملكاً من ملوك اليونان
أراد أن يتقرب إلى الشيطان
ليحكم العالم بالسيف وبالسنان
وطلب الشيطان من ملك اليونان
أن يأكل من لحم أخيه.. الإنسان
أقام في القصر مأدبة كبيرة
وقدم الطهاة للمليك لحم أتقى رجل في البلاد
عزفت الموسيقى ودارت الكؤوس
أقيمت الطقوس للتحوِّل الكبير
وأكل المليك من لحم أخيه
فصار ذئباً في الخلق وفي الصفات
 مفترساً، وجبته اليومية
من لحم الشعب المقهور
وهكذا
أصبح السلطان
 من فصيلة الحيوان. 
(إظلام)


*   *   *


(إضاءة خفيفة، الحجاج نائم، يعاني من كابوس في الحلم، يصرخ ويعتدل جالساً، بقعة ضوء على الزائر وهو يجلس على العرش ويراقبه)
الأمير
:
أستغفر الله.. أستغفر الله.. ما لسعيد يأخذ برجلي.. أستغفر الله .. ما لي ولسعيد. (يدخل الحاجب)
الحاجب
:
أصلح الله الأمير، هل كان كابوساً آخر.
الأمير
:
كلما أخذني النوم جاءني سعيد بن جبير في الحلم يجرني من رجلي إلى حفرة من نار.
الحاجب
:
إنما هي أضغاث أحلام، خذ يا سيدي واشرب الدواء ، إنه يساعدك على النوم.
الأمير
:
(يشرب الدواء) هل تعتقد بأنني قتلته ظلماً؟
الحاجب
:
ومن أنا حتى أبدي رأياً في أمر أقرّه الأمير.
الأمير
:
هل جاء أحد الساعة.
الحاجب
:
لا أحد في الباب، ولا أحد في القصر.
الأمير
:
لا أحد في القصر!
الحاجب
:
غادروا جميعاً، لا أدري إلى أين؟
الأمير
:
وزوجتي ؟
الحاجب
:
غادرت إلى بيت أهلها.
الأمير
:
وكلبي..؟ لا أسمع نباحه.
الحاجب
:
شرد الكلب منذ ساعتين ولم يعد.
الأمير
:
وأنت لماذا لم تتركني وتغادر القصر؟ لعلك تريد أن تشمت بي وأنت ترى نهايتي.
الحاجب
:
إن كان وجودي يضايقك فإنني أرحل.
الأمير
:
لا تذهب، لم يبق غيرك. هل ترى ذاك الجالس على عرشي.
الحاجب
:
أنا لا أرى أحداً.
الأمير
:
هذا هو وحده الذي لا يغادرني الليلة.
الحاجب
:
(منفرداً) لطفك يا رب فقد اختلط عقله.
الأمير
:
ما الذي كنت تقول؟
الحاجب
:
لا شيء، كنت أستغفر للأمير.
الأمير
:
أتكذب عليّ؟ هيا.. انصرف ولا تبرح مكانك وراء الباب (يخرج الحاجب)
الزائر
:
(ينزل ويتجه نحوه) لماذا غضبت من الحاجب فأنت تراني لكنه لا يراني.
الأمير
:
لم أغضب لهذا، ولكنه يظن أنني قد اختلط عقلي.
الزائر
:
ما كنت من قبل بأصحى منك الآن.
الأمير
:
لقد هجرني جميع أهلي وأصحابي وحاشيتي، حتى كلبي ولّى شارداً. ولكن ذلك كله لا يعدل الألم الذي عانيته يوم فقدت ولدي محمداً. ثم يقول الناس إنها عقوبة من الله.. آه ..كم أحس بالوحدة.
الزائر
:
في الليلة الأخيرة يبحر المرء في نهر الظلمات وحيداً، وينفضُّ الناس عنه إلى سيد آخر.
الأمير
:
يرحل وحيداً من لا عقب له ولا أعمال، لقد حكمت ما بين اليمن وحدود الصين  وقدَّمت لهذه الأمة ما لم يقدمه أحد.
الزائر
:
ذلك أمر يحتاج إلى تحقيق. (يتخذ وضعية القاضي ويجلس الأمير أمامه) ماذا قدّمت لهذه الأمة ؟
الأمير
:
حفظت الحقوق، وأبطلت الرشوة، وضربت على أيدي اللصوص والمفسدين في الأرض، وحفظت الأمن، ووحدت الكلمة، وحفظت هيبة الدولة بعد أن زعزعتها الثورات وكادت أن تقضي عليها الفتن.
فليتهمني الناس والرواة بما شاؤوا، أنا لا أعتذر عن عمل قمت به، ما من أمر قمت به إلا وله مبرراته عندي. لا أنكر أنني سرت في الناس بالحزم والشدة فازداد غضبهم عليَّ وأخطؤوا فهمي وحسبوني جباراً مغترّاً بنفسي ودنياي. لقد سرت على مبادئ آمنت بها وثبتُّ عليها، ورأيت فيها سبيلاً للحفاظ على وحدة الأمة وخيرها وصلاحها.
الزائر
:
هل كنت تعمل للأمة أم لسيدك؟ ألا تقرأ لي وصيتك.
الأمير
:
الأمة هي سيدي ، وسيدي هو الأمة، وهذه وصيتي (يتناول رقعة من جانبه ويقرأ) بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف : أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده و رسوله ، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا و عليها يموت وعليها يبعث .
الزائر
:
وهل ترى ينفعك الوليد يوم تبعث. "يوم لا ينفع مالً ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"
الأمير
:
تنفع.. إنه خليفة رسول الله، هيأ الله له الأمر وبايعه الناس (صمت) أتريد أن تعلم ما تركت من مال ميراثاً لأهلي من بعدي؟
الزائر
:
وكم تركت؟
الأمير
:
(يمد يده تحت الوسادة ويتناول صرة مال) ثلاثمائة درهم فقط. حاكم المشرق يموت ولا يترك غير دراهم معدودة.
الزائر
:
ولكنهم يتهمونك بأنك كنت طاغية مستبداً، وتركت ميراثاً من الدماء، وعدداً لا يحصى في السجون من النساء والرجال.
الأمير
:
يزرعون الفوضى والفتن فإذا ضبطهم الحاكم وضرب على أيديهم سمّوه مستبداً، يريدونه حاكماً عاجزاً.. إنما العاجز من لا يستبد.
أما السجون فلم يكن لدي غير سجن المُسَيَّـرين في الكوفة للنساء وكان قصراً لعبد الرحمن بن زياد، وسجن الديماس في واسط للرجال، فما الذي تتسع هاتان الداران من سجناء. إنما هم أعدائي وأعداء بني أمية تأوّلوا عليَّ وكذبوا وبالغوا في الكذب.
وأما ميراث الدماء فإنني قاتلت الخوارج لأنهم كانوا قوة إرهاب في الدولة لم يسلم من شرهم أحد، وأخمدت ثورة ابن الأشعث وانتصرت عليه في معركة دير الجماجم، لأنه لو كان انتصر لتمزقت الخلافة الإسلامية. وكان الشعوبيون يحيكون الفتن والمؤامرات في الخفاء ليعيدوا مجد الدولة الفارسية. هذا هو الميراث الذي تسلمته، هم أباحوا دماءهم بأيديهم.
الزائر
:
ما كان لك أن تقتل الأسرى يوم دير الجماجم. وفيهم القرّاء والفقهاء والشعراء والتابعون مثل محمد بن سعد بن أبي وقاص وأعشى همدان وكميل بن زياد النخعي.
الأمير :
:
وما كان لهم أن يخرجوا على طاعتي وطاعة الخليفة، لو خرج ابني محمد عليَّ لقتلته.
الزائر
:
ولكنك كنت تقتل من خالفك الرأي أيضاً، وقد خلق الناس أحراراً. ولهم أن يعبروا عن آرائهم بحرية، أما كان أجدى وأسلم لو لجأت إلى لغة التخاطب، تسمع منهم ويسمعون.
الأمير
:
لا حرية إلا في الطاعة، خلقنا لنحكم وخلقوا ليطيعوا.
الزائر
:
يُجمِع الناس على أنك كنت تكره أهل العراق، ولهذا أسرفت في القتل فيهم.
الأمير
:
لا أنكر كرهي لهم، فهم أهل الشقاق والنفاق، خذلوا علياً والحسين، وانتفضوا على كل من بايعوه، ولم يحترموا أميراً ولا والياً ، ولا شيخاً أو فقيهاً، ويحدثنا التاريخ وأساطير الأولين بأنهم هم الذين دمروا الحضارات في بلاد الشام وأحرقوا المدن وأبادوا أهلها؛ ولهذا ما كنت لأسمح لهم أن يفعلوا ذلك مرة أخرى، وعندما نقضوا عهد الخليفة في الشام، وظهرت فيهم الفتن، وزرعوا الفوضى في خاصرة الأمة، كنت عذاب الله لهم.
الزائر
:
عذاب الله !
الأمير
:
نعم، أرأيت عاداً وثمود وقوم لوط وآل فرعون.. كيف جاءهم عذاب لله فأبادهم، وأنا عذاب الله لأهل العراق ولكل من خرج عن الطاعة.
الزائر
:
أكنت تؤمن حقاً بمهمتك هذه؟
الأمير
:
أنا قدر الله وعذابه.
:الزائر
:
وما قصة سعيد بن جبير، وقد أجمع الناس على أنه كان عالماً تقياً وفقيهاً ورجلاً صالحاً.
الأمير
:
خرج مع ابن الأشعث فكان حكم الموت عليه واجباً.
الزائر
:
وما فعل ابن الأشعث؟
الأمير
:
قائد جهزت له جيشاً ضخماً لفتح سجستان وبلاد ما وراء النهر، فتقاعس وأعلن العصيان وارتد عليّ.
الزائر
:
ولكنك ظللت تطارد ابن جبير عشر سنوات بعد انتهاء الثورة، ألا يبرد ثأرك؟
الأمير
:
عشر سنوات وهو يحرض الناس عليّ في الخفاء، عشر سنوات من العداء للدولة. ليست قضية ثأر، ولكنني كنت قَدَره الذي يلحق به.. هكذا شاء الله.
الزائر
:
أما كان لك أن تهبه لعلمه الذي أخذه عن حبر الأمة عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن عمر، وعن عائشة أم المؤمنين، فكان هذا الحبشي إمامَ التابعين، وهو الذي نشر العلم في الكوفة فكان معلمها وإمامها. لقد قتلته وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقِر إلى علمه.
الأمير
:
سبق السيف العذل.
الزائر
:
إن دولة تقتل علماءها آيلة إلى الزوال.


*   *   *

صوت

:
(يظلم القسم الأمامي)
 (في الظلام مع موسيقى عسكرية) بيان رقم عشرة: الليلة ألقي القبض على مجموعة من الخونة والإرهابيين والزنادقة كانوا يتآمرون على الدولة ورئيس البلاد، الملهم الأعظم، والحاكم بأمر الله، وقد أحيلوا إلى محاكم ميدانية لينالوا جزاءهم العادل. الموت للخونة والرجعيين والخلود لرسالتنا ( تستمر الموسيقى ثم تتوقف)


*   *   *


مشهد خلفي
(تتوامض البطاقة فيضاء القسم الخلفي. على الأرض رجل بلحية صغيرة وشعر مسبل، ونظارات على عينيه، فهو كاتب أو صحفي أو فنان، وهو مشدود إلى الأرض في وضعية الصلب ، ويداه ورجلاه مسمرة بمسامير كالأوتاد ضخمة جداً .
يدخل الجنرال بلباسه الرسمي، يتناول القبعة من الجدار ويضعها على رأسه، يحمل في يده بعض الجرائد والكتب، يعرضها أمام عيني الرجل المصلوب، إنه يعرض عليه مقالاته المعارِضة، ثم يتناول جريدة ويحشو بأوراق منها فمه ، ثم يطبق بالجريدة على وجهه حتى يخنقه. يختلج الرجل ويموت. يعلق الجنرال قبعته ويخرج.
يدخل الرجال المقنعون وهم يحملون الجرائد والكتب واللوحات الفنية وملصقات أفلام ويرمونها فوقه حتى يدفنوه تحتها تماماً)
(إظلام ويضاء القسم الأمامي)


*   *   *
الأمير
:
لكل أجل كتاب.
الزائر
:
هكذا يقول جنرالات الموت لمن انتزعوا منهم آباءهم وأبناءهم وأخوتهم، لكل أجل كتاب، وعفا الله عما سلف، انسوا ما حدث ودعونا نبدأ من جديد.(صمت) لاشيء يمّحي من الذاكرة، وهذه الليلة تلقى سعيداً وصحبه الذين أهلكتهم فماذا تقول له؟ 
الأمير
:
له حجته ولي حجتي، ويحكم الله ما بيني وبينه.
(إظلام)


*   *   *


(إضاءة. الحجاج يجلس على العرش، يدخل الحاجب)
الحاجب
:
وصل سعيد بن جبير يقوده من مكة المتلمِّس بن أحوص يا سيدي
الأمير
:
أدخله عليّ. (يدخل سعيد في السابعة والخمسين من عمره وهو يرسف بالأغلال ومن ورائه المتلمس قائد فصيلة الجند التي قبضت على سعيد) كيف قبضتم عليه يا متلمِّس؟
المتلمس
:
وجدناه ساجداً يصلي فدعوناه للمثول بين يديك فلم يقاوم.
الأمير
:
وكيف وجدتموه في الطريق؟
المتلمس
:
كان مطواعاَ، وقد مررنا بدير راهب، فأبى الدخول معنا للمبيت، وبات في العراء، ثم جاء أسد ولبوة فصارا يتمسحان به وناما تحت قدميه.
الأمير
:
هذا فعل ساحر وما يفلح السحرة (لسعيد) أأنت شقيُّ بن كسير؟
سعيد
:
أُمِّي كَانَتْ أَعْلَمَ بِاسْمِي مِنْكَ.
الأمير
:
شَقِيْتَ أَنْتَ ، وَشَقِيَتْ أُمُّكَ.
سعيد
:
الغيب يعلمه غيرك.
الأمير
:
لأُبْدِلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَاراً تَلَظَّى.
سعيد
:
لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لاتَّخَذْتُكَ إِلَهاً.
الأمير
:
أما قدمتَ الكوفة وليس يَؤُم بها إلا عربي فجعلتك إماماً؟
سعيد
:
بلى
الأمير
:
أما ولَّيتك القضاء وأنت حبشي، فَضَج أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح للقضاء إلا عربي فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري وأمرته أن لا يقطع أمراً دونك؟
سعيد
:
بلى.
الأمير
:
أما جعلتك في سُماري وكلهم رؤوس العرب؟
سعيد
:
بلى.
الأمير
:
أما أعطيتك مائة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟
سعيد
:
بلى وقد فرَّقتها.
الأمير
:
فلماذا خرجت عليّ؟
سعيد
:
بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث.
الأمير
:
أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل فخلعتها ورحت تحرض الناس على القتال يوم دير الجماجم.. لماذا فعلت ذلك وقد قرّبتك وأعطيتك؟
سعيد
:
أعطيتني الدنيا وأعطاني الله الآخرة. أما البيعة فإنها للنهج وليست للشخص. وقد جرتم في الحكم، وخرجتم من الدين وتجبرتم على عباد الله، وأمتُّم الصلاة، واستذللتم الناس. ولا طاعة ولا بيعة لمن تجبّر وتكبّر وخرج عن النهج القويم.
يا حجاج أحرى بالطاغية أن يخلو إلى نفسه مرة واحدة ويسأل: لم يكرهني الناس. وأنا لم أخرج عليك وحدي، وإنما كانت ثورة القراء جميعاً ضد بغيك وطغيانك. أكانوا جميعاً على خطأ وأنت وحدك على حق؟
الأمير
:
والله لأقتلنّك.
سعيد
:
تقتلني ولكنك لا تقتل الحياة فيّ، وما الحياة إلا ما يحمله المرء من قول وعمل في صالح هذه الأمة. إنك تقتل صاحب الكلمة ولكنك لا تستطيع أن تقتل الكلمة.
تدعي بأنك تقرأ القرآن والله يقول " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً" وما كان أسرى الرسول إلا من المشركين. وأنت أسرت الناس بعد معركة الجماجم ثم ضربت أعناق الأسرى وفيهم أبناء الصحابة والقراء والتابعون وذوو العلم.
الأمير
:
ويلك يا عدو الله، أتعلِّمني القرآن وتعظني وأنا أمير العراق؟
سعيد
:
الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار.
الأمير
:
النار لمن لا يطيع أولي الأمر. ألم تقرأ قول الله تعالى" وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم"
سعيد
:
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
أولو الأمر هم القائمون بأمر الله، فإن لم يقوموا بأمر الله وحادوا وتكبروا وطغوا في الناس فالطاعة الحقيقية هي المعارضة وتقويم الحاكم.
الأمير
:
هذه أفكار تستحق أن تقتل عليها.
سعيد
:
هذا ما علَّمنا إياه رسول الله، من رأى منكم منكراً فليقومه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.. لا طاعة إلا للحق.
الأمير
:
إذن، حكمت على نفسك بالموت، لأنتزعنَّ قلبك من صدرك. أي قتلة تريد أن أقتلك؟ 
سعيد
:
اختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك قتلة في الآخرة.
الأمير
:
(يصمت قليلاً) أتريد أن أعفو عنك؟
سعيد
:
إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عُذر.
الأمير
:
(يرمي أمامه صرة مليئة بالذهب والجواهر) أعفو عنك، وتأخذ هذه الصرة من المال، على أن تقر بأنك كفرت بمعارضتك لي وخروجك عليّ.
سعيد
:
لا يكفر من رأى منكراً وخرج على الظالم يقوِّمه بسيفه. أما المال فلا حاجة لي به، وإن كنت يا حجاج قد جمعت هذا المال لتتقي به فزع يوم القيامة بإنفاقه في خير الناس فهذا عمل صالح، وإلا ففزعة واحدة تُذهل كل مرضعة عما أرضعت.
الأمير
:
تهددني بيوم القيامة. (يصرخ) أسمعوه صوت العود والناي ( يعلو صوت العود والناي، سعيد يبكي) ما يبكيك؟
سعيد
:
أَمَّا النَّفْخُ في الناي فَذَكَّرَنِي يَوْمَ يُنفخُ في الصُّوْرِ ، وَأَمَّا العُوْدُ فَشَجَرَةٌ قُطِعَتْ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ، وَأَمَّا الأَوْتَارُ فَأَمْعَاءُ شَاةٍ يُبْعَثُ بِهَا مَعَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ.
الأمير
:
أما زلت تهددني بيوم القيامة، اذهبوا به فاقتلوه.
سعيد
:
 إذن أنا سعيد كما سمتني أمي. دعوني أصلِّ ركعتين.
الأمير
:
وجهوه إلى غير القبلة.
سعيد
:
فأينما تولوا فثم وجه الله، يا حجاج إنى أستعيذ منك بما عاذت به مريم.
الأمير
:
وما عاذت به مريم؟
سعيد
:
 "قالت إني أعوذ بالرحمن إن كنت تقيا".
الأمير
:
تنعتني بأني فاجر يا عدو الله، أخرجوه من هنا واذبحوه. ( سعيد يضحك) ما يضحكك يا شقي.
سعيد
:
عَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ ، وَحِلْمِهِ عَنْكَ.( يستمر في الضحك)
الأمير
:
أتضحك وأنت ذاهب إلى الموت!؟
سعيد
:
وهل يبكي من يذهب للقاء حبيبه؟ يا حجاج لا يغرَّنَّك ما أنت فيه من جبروت وقوة، إني آخذ برجلك، فأنت لاحق بي قبل أن يذهب قمر هذا الشهر في المحاق. (يدعو) اللهم لا تسلِّطه على أحد يقتله بعدي. (يخرج)
إظلام)


*   *   *


(إضاءة ليلية خفيفة، العرش وقد ألقي عليه شبكة عنكبوتية وعليها عنكبوت ضخم، الحجاج يقف أمام النافذة وقد ظهر من خلالها القمر وقد نقص جزء منه)
الأمير
:
(ينادي) يا عبيدة ( صمت ، لا يسمع جواباً) أيها الحاجب..(الزائر يدخل)
الزائر
:
لن تسمع جواباً هذه الليلة، لقد رحل حاجبك أيضاً.ولم يبق إلا أنا وأنت.
الأمير
:
ما هذه الليلة؟ القمر ينقص ويذهب في المحاق.
الزائر
:
إنها الليلة الحادية والعشرون من رمضان، من السنة الخامسة والتسعين للهجرة.
الأمير
:
تفصلني عن سعيد بن جبير عشرة أيام فقط، وأحسه وهو يجرني من رجلي. أتراني ذاهب إلى الجنة أم إلى النار؟
الزائر
:
لست أعلم الغيب، إنما أنا رسول جاء يسترد الأمانة.
الأمير
:
إنهم يزعمون أن الله لا يغفر لي.
يا رب قد حلفَ الأعداءُ واجتهدوا          أَيْمانَهم أنني من ساكني النارِ
أيحلفون على عميـاءَ؟ ويحــهمُ          ما ظَنُّهم بعظيم  العفوِ  غفار ( تدمع عيناه)
الزائر
:
أراك تبكي، وما كنت تضحك ولا تبكي من قبل.
الأمير
:
الآثمون لديهم أرواح أيضاً.
الزائر
:
 وليس كالدمع يتجسد فيه الروح. (الزائر يتأثر ويشعر بالشفقة تجاهه، يقدم له الكأس) ألا تشرب دواءك، لعله يخفف من آلامك.
الأمير
:
دع ذلك الآن، ما عاد ينفع دواء ولا ما يخفف هذا الألم، أشم رائحة النهاية، لقد دخل الموت البيت، بدأ البيت يتهدم كمخزن الغلال القديم، ماذا تعلم أنت عن ذلك؟ أنت الذي شهدْتَ بداية الكون وستظل شاباً حتى تشهد نهايته، وحين تهرم وتُساق إلى الذبح ككبش أقرن، فوق الجدار الفاصل بين الكونين، وتنفجر الرقاقة التي في جيبك، وقبل أن يسود العدم الكون، ستدرك أيَّ ألم عاشه من زرتَهم، وتسأل نفسك: لم كان كل ذلك؟
 أنت تذكِّّرني وتحاسبني على حفنة أرواح أزهقتُها ليعم السلام الأرض، ولا تسأل نفسك عن أرواح أزهقتَها أنت بعدد ذرات الماء في محيط عظيم؟
أنا لا أحقد عليك، الزمن يطاردنا جميعاً، وكلٌ يحمل منجله في يده ويحصد، أنت وأنا والفلاح والتاجر والتقي والفاجر والبتول والعاهر.. يحصدون ويحصدون، والسنابل فارغة.. سيدركون بعد فوات الأوان أن حصادهم كان عبثاً، وأن غلالهم قبض الريح.. والحقيقة الوحيدة أن هذا الجسد سيبرد ويسودُّ، وتتجمد العينان الحيَّتان اللتان شهدتا شروق الشمس وغروبها ومطلع القمر ومغيبه، وسينغرز فيهما منجل الزمن الأسود، ويتحول كل شيء إلى ظلام،، ظلام دامس..
اليوم وفي ليلتي الأخيرة تراودني فكرة الظلام هذه فيتحول كل شيء في ناظري إلى عفن.
يأتي الربيع فتورق الأشجار، ثم يأتي الخريف فتتساقط الأوراق.. الجوارح في السماء تنهش الطيور، والحيتان في البحر تبتلع الأسماك، وملوك تصعد وعروش تهوي، والحروب توقظ إسرافيل ليوم القيامة، والأرض تتنفس فتبتلع الزلازلُ والبراكينُ المدنَ والإنسان..
والنساءُ على رصيف الحياة القذر يلدن ويلدن ويلدن مفتونات بدفق الدم والماء، وعلى الرصيف الآخر تسير الجنائز في مواكب النحيب والدموع..
 ما هذه اللعبة؟
روحي تنكمش، كل شيء يبدو تافهاً، الفرح والألم، الحب والكراهية، الشر والخير، الشقاء والسعادة.. لا معنى لكل هذا مادمنا في هذا السجن الكبير الذي يسمونه الحياة وقضبان الزمن الفولاذية تحيط بنا من كل جانب.
(كمن يستيقظ من حلم) أستغفر الله.. لا بد أن يكون هنالك سجان رحيم وفي نهاية نهاية النهاية سوف يطلق سراحنا.. نعم سوف يفعل.. نعم.. لا بد أن يفعل.
(يسمع من بعيد صوت أذان الفجر)
الصوت
:
الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلاّ الله .. ( يتلاشى الصوت)
الزائر
:
لقد جدَّفتَ كثيراً وأنا صامت أستمع .. اسمعْ صوتَ الأذان..لو يدرك الطغاة في الأرض أن الرب أكبر لما كان هنالك ظلم ولا طغيان. (صمت قصير)
الأمير
:
لم أكن طاغية ولا ظالماً، كنت رجل دولة، فلا يدينني أو يعتب عليّ أحد (صمت قصير) ما ينفع العتب اليوم، أنا لا أعتذر عن فعل فعلته، إنما هي إرادة الله، والفتنة وتَفَرُّق المسلمين وخروجهم على السلطان أشد من القتل .. أبو بكر قاتل من خرج عن الطاعة، قاتلهم على لجام فرس لا يساوي دريهمات..(صمت قصير وكأنه يتذكر)  إيه .. يا لها من أيام قاسية. (ينظر إلى القمر عبر النافذة) القمر يميل إلى المغيب. أحسب أن هذه ليلتي الأخيرة.
الزائر
:
ما أظن إلا ذلك، تسلمني الأمانة وترحل معي.
الأمير
:
هل ترى صنتُ الأمانة؟
الزائر
:
أنت أدرى بذلك. تَفَكَّرْ فيما عملت فتعرف جواب سؤالك. ألم أقل لك في الإنسان رقاقة تختزن حياته وذكريات عن العالم، تعرض عليه وهو يسلم الأمانة لصاحبها.
(تتوامض البطاقة فتنعكس على الشاشة خيالات أطفال ونساء في أوضاع بائسة، وحرائق، ومعارك بالسيوف، وقصف مدن بالقنابل، وأناس في السجون وتحت التعذيب، يمتزج فيها القديم بالمعاصر)
الأمير
:
دعني أرحل.. لم أعد أحتمل المشهد.. أريد أن أرحل.
الزائر
:
لا تستطيع أن ترحل وأنت مثقل بهذه الأطمار. اخلع ثيابك واتبعني..
 عارياً ترحل كما رحل من كان قَبْلك.
 .. عراةً يرحلون.


في القسم الخلفي
 (تختفي قبعة الجنرال، الرجال المقنعون يرمون عباءاتهم السود، يكومونها، ويخرجون صامتين منكسرين في رتل طويل.
 يدخل الجنرال يخلع قبعته ومعطفه الرسمي فيبدو عارياً ويخرج وراءهم) .


في القسم الأمامي
( يخلع الأمير عمامته وثيابه وعصاه وسلاحه ويكومها تحت العرش، حتى يبقى عارياً. يسير الزائر والأمير يتبعه مع تلاشي الإضاءة حتى يخرجا تماماً. النيران تندلع في أغراض الأمير ثم تمتد إلى العرش، وتندلع أيضاً في كومة ثياب المقنعين، ويملأ المكان دخان كثيف.
يلتمع البرق، ويسمع صوت الرعد قوياً.
الرؤوس تتوامض وتطلق ضحكات مجلجلة ومتداخلة.
 يختفى كل شيء ويسود المكان صمت ثقيل.
فجأة تهطل أمطار غزيرة)

- ستارة النهاية -
حلب 28/10/2009

هاتف :     5555331 21 00963
              جوال   680098 955 00963
              فاكس  5742299  21  00963
ص.ب     11511 حلب - سورية
بريد إلكتروني: 
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته : قبل أي تناول للنص أو عرضه على المسرح يجب الحصول على موافقة المؤلف

ملاحظة

تعليقات
أضف تعليقا بحث
+/-
أرسل تعليقا
الاسم
البريد الالكتروني
 
الموقع الالكتروني
العنوان
كود UBB
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 
 
نرجو اضافة الكود الأمني الموجود في الصورة
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الفوانيس المسرحية
 

..الفوانيس المسرحية

مجلة مسرحية إلكترونية تصدرها شبكة الفوانيس الثقافية.. وتعنى بالدراسات والمتابعات والإبداعات المسرحية بمختلف اتجاهاتها

maserah@alfawanis.com

: الهيئة الاستشارية

  أحمد شرجــي  ( العراق)
  بشرى عمــور ( المغرب)
  د.سعيد الناجي ( المغرب)
  غــنــام غــنــام ( الأردن)
  د.فاضل الجاف ( العراق)
  كنـعـان الـبـنـي ( سوريا)

مخــتـــــــلــفـــــــــــــا ت

مسرحية انتيغون لعبد الجبار خمران

.. وجــــــوه وأقــنــعــــــة

 فوانيس الإستمرارية

abdeljabar

عبد الجبار خمران 

ولأن المسرح يجمعنا مبدعين، مهتمين، باحثين، دارسين ومتلقين.. لم نجد بدا من إشعال فوانيس الإستمرارية.. ومن أن نعمل على تجديد العزم و إضاءة منصة الروح، و نصب دعائم و مداميك جسور و ممرات تواصل معرفي مسرحي    وإبداعي، آملين أن نمشيها بخطوات باحثة ورؤية واضحة.. نمشيها باتجاه نار المعرفة المقدسة حيث الآخر/ الأنا / النحن، تلك النحن الضامنة لسيرورة تحمل هم البحث الإبداعي والتنقيب الجمالي.. وما التفاف زمرة من الباحثين والنقاد والمبدعين حول هذا المشروع  إلا دليل على أننا خطونا خطوات ليست بالقليلة - رغم الإمكانيات المحدودة والدعم المنعدم - على طريق الألف ميل وأكثر..
لذتنا تواصلنا، ورأس مالنا دعم رمزي ومعنوي من مبدعين ونقاد وباحثين مكتوين بنار فن الفنون وأبيها.. المسرح.  
وإذا كان هذا الأخير حدث اجتماعي لا يكتمل إلا بوجود الجمهور - كما قال الراحل سعد الله ونوس - فمشروعنا في الفوانيس المسرحية حدث تواصلي ومعرفي لا يكتمل إلا بوجود قارئ مهتم ومتتبع مكتوي  بالنار نفسها وتغمره اللذة ذاتها.
وحتما محكومون بالأمل..

مهرجان المسرح الأردني السادس عشر

mihrajan

تُجري فرقة  "المسرح الحر"، تحضيرات الدورة /الخامسة/ من  مهرجانها الذي سيقام في الأول من شهر أيار 2010  .  وتحمل دورة العام من مهرجان "ليالي المسرح الحر" خصوصية تتمثل بمشاركة  عروض عالمية في فعالياته التي حققت بعدها العربي منذ الدورة الثانية  لتلك الليالي تحت عنوان "تفاهم الحضارات".

 

وبحسب رئيس فرقة "المسرح الحر" الفنان "علي عليان" مدير المهرجان، بدأت  الفرق المسرحية المحلية والعربية والعالمية، مبكرا، بإرسال ملفات  مشاركتها، ووصل عدد تلك الملفات كما يكشف "عليان" إلى حوالي/40/ ملفا  محليا وعربيا وعالميا.
وقامت لجنة "المشاهدة وضبط الجودة" في الفرقة التي صار لها منذ زهاء عام  ونصف العام في مقرها الخاص "فضاء المسرح الحر" في جبل "اللويبدة"،  تقوم بقراءة تلك الملفات ومشاهدة العروض الراغبة بالمشاركة لاختيار  المناسب منها، ويتوقع مشاركة تسع دول عربية وأجنبية في هذه الدورة.

 

وبالنسبة للعروض العالمية، فإن إدارة المهرجان ستختار العروض التي  تعتمد في رؤيتها الإخراجية وحراكها الجمالي، على الرقص التعبيري  والإيماء والقيمة البصرية السينوغرافية في الفن المسرحي، لتفادي مشكلة  اللغة.

 

ولتعميم الفائدة، وتحقيق أكبر قدر من التفاعل الفني الجمالي، وتعزيز  مفهوم الحوار الحضاري مع العروض العالمية التي ستستضيفها دورة العام  من المهرجان، فسيصار إلى تقديم تلك العروض في مختلف المحافظات  إضافة للعاصمة "عمان"، وهو ما يتقاطع بحسب "عليان" مع رؤية وزارة الثقافة  حول الالتفات للأطراف وانفتاح "نقابة الفنانين الأردنيين" على  الهيئات الاجتماعية الأخرى وجعل مختلف المدن في الريف والبوادي  والمناطق النائية شريكة في التنمية الثقافية ومستفيدة من مخرجاتها.

 

كما ستقدم عروض "مسرح الطفل" يتابع "عليان" حديثه قائلا: «في المناطق  الفقيرة والنائية مثل "الموقر" و "القويسمة" و "سحاب"، وغيرها من المناطق التي  تفتقر إلى الفعل المسرحي» وستنتقل معظم عروض المهرجان الى مدينة  "الزرقاء" مدينة الثقافة "الأردنية" لهذا العام

ورغم أن المهرجان يأتي  موعده بعد شهرين من الآن إلا أننا استطعنا أن نضع مسودة برنامج العروض  منذ الآن ونحن بمرحلة تصميم المطبوعات التي ستأخذ طابعا مميزا.
ويؤكد "عليان"  أنه قد أنهت لجنة المشاهدة وضبط الجودة مشاهدة كافة العروض  المتقدمة ورفعت تقريرها المفصل إلى إدارة المهرجان، لاختيار المناسب  منها وفق المعطيات الفنية والميزانيات المالية المتاحة، بعيدا عن أي  حسابات شخصية أو تأثيرات أو وساطات».
ويكشف "عليان" أن فرقة "المسرح الحر" في هذه الدورة أطلقت رؤيتها للانفتاح على الآخر  ضمن المحيط الفني حيث تشكلت لجنة المشاهدة وضبط الجودة من مجموعة من  الفنانين المحترفين سواء أكانوا أعضاء في "المسرح الحر" أو من خارجة حيث  تشكلت اللجنة :

الفنان بكر قباني                    رئيسا

الفنان نبيل الخطيب               عضوا 

الفنان عبد الكريم الجراح          عضوا

الفنان محمد المراشدة              عضوا

الفنان عامر محمد                 عضوا

الفنان اياد شطناوي               عضوا

وأضاف "عليان" قائلا: «نسعى إلى مأسسة  المهرجان وتميزه وتحقيق اختلاف في وجهته وتأثيره وتفاعله وتطوره لتختلف  كل دورة عن الأخرى بعدة اتجاهات سواء في تطوير العمل الإداري أو في  الرؤيا للأعمال الفنية المشاركة وهو ما من شأنه أن يثري المهرجان  والفعل المسرحي على وجه العموم، ويحقق التنوع الفاعل، ويضخ دماء التجديد  في عروق مهرجان "ليالي المسرح الحر". كما نسعى إلى عدم استضافة فرق سبق لها وان شاركت في واحدة من دورات  المهرجان أو على الأقل في آخر دورة أقيمت».

 وستشارك في هذه الدورة  الدولية بالإضافة إلى "الأردن" كل من "تونس" و "الجزائر" و "سوريا" و "فلسطين" و "قطر"  و "الكويت" و "السعودية" بالإضافة إلى "اسبانيا" و "كندا" وسنعلن قريبا أسماء  الفرق المشاركة والمسرحيات التي ستقدمها. 

وبالنسبة لدعم المهرجان يؤكد "عليان" أن مهرجان "ليالي المسرح الحر"  يدعم  مباشرة من قبل  أمانة "عمان الكبرى" و "وزارة الثقافة" .

 كنعان البني